المقريزي
226
إمتاع الأسماع
بالإنصاف ، غير متعصبين لفرقة ، لم يسلكا في تصنيفهما ما سلكه المصنفون قبلهما أو بعدهما ، من نصرة مذهب واحد ، وإنما نصر الصحيح وأخرجاه ، ولذلك رفع الله عز وجل كتابيهما ، وجعلهما حجة بين المسلمين ، لما علم من صدق نيتهما في ذلك ، ولو سلكا طريق التعصب ، لخرجا عن حيز التحكيم ، لأن شرط الحكم أن ينصف بين الخمصين ، ورأينا الفرق قاطبة تحتج بما أخرجاه ، [ ويلتزم ] الخصم ذلك من خصمه ، فصح بذلك ما قلناه . قال جامعه ومؤلفه [ عفى الله عنه ] : في كلام ابن طاهر هذا تحامل على الحميدي ، فإنه لم يرد قط أن البخاري ومسلما ، خرجا الحديثين لغرض سئ ، لكن أعلم أنهما - ومكانهما من العلم مكانهما - أخرجا ذلك مع ما فيهما [ مما ] ينتقد ، لشئ من الأشياء قصداه ، لا أنهما خفى عليهما ما ظهر لغير هما ، والحميدي لا يخفى عليه البتة شئ مما ذكره ابن طاهر ، من جميل مقصد البخاري ومسلم فيما أخرجاه في صحيحيهما ، والله تعالى الموفق . قال ابن طاهر : إن كلامه في شريك ، شئ لم يسبقه إليه أحد من أئمة الجرح والتعديل ، بل قبلوه ، ووثقوه ، ورووا عنه ، وأدخلوا حديثه في تصانيفهم ، واحتجوا به ، ثم ذكر عن يحيى بن معين أنه قال عنه : ليس به بأس ، وذكر عن ابن [ عدي ] أنه قال : شريك رجل مشهور من أهل المدينة ، حدث عنه مالك وغيره من الثقات ، وحديثه إذا روى عن نفسه فإنه لا بأس بروايته ، إلا أن يروي عن ضعيف ، ثم قال : فحكم ابن عدي ، أن الآفة إنما تأتينا من الراوي عنه ، والراوي عنه هذا الحديث سليمان بن بلال ، أحد ثقات أهل المدينة ، ومن عدله مالك فمن بعده من الأئمة ، لا يسمع فيه قول المتأخر بحال ، فلما ثبتت عدالته ، خرج عما قاله ابن حزم ، وأن الآفة ليست